ⴰⵊⴰⵏⵏⴰ ⵎⵉⴹⴰⵔ ⵓⴼⴰⵍⴰ
في السنوات الأخيرة، شهدت إسبانيا صعودًا ملحوظًا لليمين المتطرف، ممثلاً أساسًا في حزب فوكس (VOX)، الذي تبنى خطابًا سياسياً قائمًا على القومية المتشددة والعداء للمهاجرين. من اللافت أن هذا الحزب، بخلاف تيارات يمينية أخرى في أوروبا، قد وجه جزءًا كبيرًا من خطابه العنصري نحو المغرب والمغاربة تحديدًا، متخطيًا بذلك الحدود التقليدية للنقد السياسي إلى منطقة التمييز العرقي والتحريض المجتمعي.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل أبعاد هذا الخطاب، واستكشاف دوافعه وسياقاته، وكذلك التحديات التي يفرضها على العلاقات المغربية-الإسبانية وعلى مبدأ التعايش داخل المجتمع الإسباني.
أولًا: المغرب في قلب خطاب الكراهية القومي
يتعامل حزب فوكس مع المغرب، ليس فقط باعتباره دولة جارة، بل كـ”تهديد جيوسياسي” و”خصم حضاري”، وهو توصيف يتكرر في تصريحات قادة الحزب ومنشوراته الرسمية. غالبًا ما يُصوَّر المغرب كمصدر للهجرة غير النظامية، وكدولة تمارس “الابتزاز السياسي” باستخدام ورقة الحدود والمهاجرين، خصوصًا في أوقات التوتر بين مدريد والرباط.
هذا التركيز لا يندرج ضمن انتقاد دبلوماسي مشروع، بل يتخذ شكل شيطنة ممنهجة، تُستخدم فيها أدوات رمزية وتاريخية تُلمح إلى “الخطر المغربي” أو “الغزو الثقافي” المزعوم، ما يعكس موقفًا استشراقيًا متعاليًا تجاه الجنوب المتوسطي.
ثانيًا: استهداف الجالية المغربية دون سواها
بعيدًا عن المغرب كدولة، فإن الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، والتي تُعد من أكبر الجاليات الأجنبية وأكثرها استقرارًا، لم تسلم هي الأخرى من خطاب فوكس العدائي.
فالحزب يعتمد على خطاب مزدوج: يُظهر ظاهريًا رفضًا عامًا للهجرة غير الشرعية، لكنه يركز بشكل خاص ومتكرر على المغاربة، معتبرًا إياهم تهديدًا للهوية الإسبانية. يتحدث قادة فوكس عن “أحياء مغربية مغلقة”، و”ثقافة مغايرة”، و”تطرف ديني” مزعوم، ويقترحون سياسات تمييزية كإغلاق المساجد، وترحيل المهاجرين، وتشديد الرقابة على مناطق وجودهم.
هذا التمييز لا يُوجه بنفس الحدة إلى جاليات لاتينية أو أوروبية شرقية، ما يُبرز البعد العنصري القومي الذي يُؤطر رؤية الحزب للمهاجر “الآخر”، خاصة عندما يكون عربيًا، مسلمًا، أو من أصل مغربي.
ثالثًا: توظيف سياسي للهجرة في زمن الأزمات
يستغل حزب فوكس السياقات الاقتصادية والاجتماعية المضطربة لتأجيج مشاعر العداء ضد المهاجرين، في محاولة لتقديمهم كـ”كبش فداء” للأزمات الداخلية.
في كل أزمة تتعلق بالهجرة عبر سبتة أو مليلية، يُسارع الحزب إلى تحميل المغرب المسؤولية المباشرة، ويُصور الأمر كأنه “غزو منظم”، في خطاب يُذكّر بلغة استعمارية تتجاهل الواقع الجغرافي والسياسي المعقد بين البلدين.
يُستخدم المهاجر المغربي، سواء كان قانونيًا أو غير قانوني، كـعدو داخلي، ما يُعرّضه لخطر الوصم الاجتماعي، ويُغذي مظاهر الإسلاموفوبيا والتمييز في سوق العمل، والمدارس، ووسائل الإعلام
رابعًا: تداعيات خطيرة على العلاقات الثنائية والتماسك المجتمعي
إن هذا الخطاب العدائي لا يمر دون أثر، بل يُهدد بإحداث شرخ حقيقي على مستويين:
أولاً، على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية، حيث يزرع جوًا من التوتر والريبة بين الشعبين، ويُقوّض عقودًا من التعاون الاقتصادي والثقافي والدبلوماسي.
ثانيًا، على المستوى الداخلي الإسباني، إذ يُذكي نيران العنصرية، ويُهدد قيم التعددية التي يفتخر بها المجتمع الإسباني المعاصر.
وقد عبّرت عدة جهات حقوقية عن قلقها من تصاعد هذا النوع من الخطاب، واعتبرته خرقًا صريحًا للمعايير الديمقراطية والحقوقية التي من المفترض أن تحكم الخطاب العام في الدول الأوروبية
الخطاب الذي يتبناه حزب فوكس تجاه المغرب والمغاربة لا يندرج في إطار الاختلاف السياسي الطبيعي، بل هو خطاب كراهية مقنّع بالقومية، يهدف إلى خلق عدو خارجي وداخلي لتبرير إخفاقات داخلية سياسية واقتصادية.
ولأن خطابات الكراهية لا تبقى حبيسة القاعات السياسية، بل تنتقل سريعًا إلى الشارع، فإن التصدي لهذا التوجه يجب أن يكون مسؤولية جماعية تشمل النخب الفكرية، والإعلام، والمؤسسات الرسمية، للدفاع عن قيم الاحترام المتبادل، والعيش المشترك، ورفض العنصرية بكل أشكالها.
![]()















