المال والنفوذ في الاستحقاقات المغربية .

Admin Sa.El8 نوفمبر 2025Last Update :
المال والنفوذ في الاستحقاقات المغربية .

أجنا ميضار ألطو  skymidaralto.com

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بالمغرب، تتجه الأنظار إلى الساحة السياسية التي بدأت تعرف حركية متسارعة وتحركات مكثفة للأحزاب السياسية استعدادا لخوض غمار المنافسة الانتخابية. غير أن هذه الدينامية، التي يُفترض أن تعكس حيوية المشهد الديمقراطي، تُخفي وراءها اختلالات عميقة تهدد جوهر العملية الانتخابية ومصداقيتها.

تُعتبر الانتخابات الجماعية والبرلمانية إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، إذ تمثل الآلية التي تُجسد من خلالها إرادة المواطنين وتُكرّس مبدأ التداول السلمي على السلطة وتدبير الشأن العام. إلا أن التجربة المغربية، في جانبها العملي، أفرزت مظاهر انحراف مقلقة جعلت من الانتخابات في كثير من الأحيان ساحة لتقاطع المصالح الشخصية والاقتصادية بدل التنافس البرنامجي والسياسي.

هيمنة المال وتحالفات النفوذ

شهدت السنوات الأخيرة بروز فئة من الوافدين الجدد على الحقل السياسي، ممن يعتمدون على رأس المال والعلاقات التجارية والعقارية لبسط نفوذهم داخل المؤسسات المنتخبة. هؤلاء لم يأتوا بمشاريع مجتمعية أو رؤى سياسية واضحة، بل استغلوا المال كأداة رئيسية لشراء الأصوات والتأثير في إرادة الناخبين. فبدل أن تكون الحملات الانتخابية فضاءً لتقديم البرامج ومناقشة القضايا التنموية، تحولت إلى سوق مفتوحة تُباع فيها الأصوات وتُشترى الولاءات، مما أفقد العملية الانتخابية جوهرها الديمقراطي.

إلى جانب ذلك، تُستغل التحالفات السياسية المحلية بشكل انتهازي، حيث تُعقد على أساس المصالح الاقتصادية أو الإغراءات المادية، لا على أساس توافقات فكرية أو برامجية. كما أصبحت بعض المجالس الإقليمية والجهوية أدوات لتقاسم النفوذ والغنائم بين مافيا الانتخابات، بدل أن تكون رافعة حقيقية للتنمية المحلية.

انعكاسات سلبية على الحياة السياسية

هذا الانحراف في الممارسة الانتخابية يُضعف الثقة العامة في المؤسسات، ويدفع شريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا الشباب، إلى العزوف عن المشاركة السياسية بدعوى أن النتائج محسومة سلفًا لصالح أصحاب المال والنفوذ. ومع استمرار هذا الوضع، تترسخ صورة قاتمة عن السياسة باعتبارها مجالًا للصفقات لا لخدمة المصلحة العامة، مما يؤدي إلى إفراغ المشهد السياسي من الطاقات الصادقة والكفاءات القادرة على التغيير.

كما يؤدي احتكار المؤسسات المنتخبة من طرف فئة محدودة إلى هيمنة منطق الريع، وضعف آليات الرقابة والمساءلة داخل المجالس المنتخبة. وبذلك، تتحول الديمقراطية التمثيلية إلى واجهة شكلية تُستخدم لتبرير واقع السيطرة الاقتصادية والسياسية للنخب المتنفذة.

تداعيات تنموية واضحة

تنعكس هذه الممارسات بشكل مباشر على التنمية المحلية والوطنية. فبينما تُصرف الملايين في الحملات الانتخابية دون محاسبة، تعاني القطاعات الحيوية من خصاص مهول: مستشفيات ضعيفة التجهيز، ومدارس متدهورة البنية، وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب. هذا التناقض الصارخ بين وفرة المال الانتخابي وفقر الخدمات العمومية يخلق إحساسًا عميقًا بالغبن لدى المواطن، الذي يرى نفسه مجرد رقم في معادلة انتخابية تُدار بالمال لا بالبرامج.

نحو ديمقراطية حقيقية

لمواجهة هذا الواقع المقلق، من الضروري تبني إصلاحات حازمة تُعيد الاعتبار للانتخابات كآلية ديمقراطية حقيقية. ويشمل ذلك:

1. تشديد الرقابة على تمويل الحملات الانتخابية ومصادر الأموال المستعملة فيها.

2. تعزيز دور القضاء والنيابة العامة في تتبع ومتابعة جرائم الفساد الانتخابي دون تهاون.

3. رفع وعي المواطنين من خلال برامج للتربية المدنية تشجع على المشاركة الواعية والمسؤولة.

4. دعم الأحزاب ذات الامتداد الشعبي التي تشتغل بقرب من المواطنين وتملك مشاريع مجتمعية واضحة.

5. فرض الشفافية والمحاسبة في تدبير المجالس الجهوية والإقليمية لضمان ربط السلطة بالمسؤولية.

ما يعيشه المغرب اليوم من ممارسات انتخابية منحرفة لا يُشكل مجرد انحراف ظرفي، بل خطرا بنيويا على المسار الديمقراطي برمته. فاستمرار منطق المال والنفوذ في التحكم بالانتخابات يعني في جوهره تكريس اللاعدالة وتعطيل التنمية. وحده الوعي الشعبي، مقرونًا بإصلاحات قانونية ومؤسساتية صارمة، قادر على كسر هذه الحلقة المفرغة وإعادة الاعتبار لصوت المواطن كركيزة أساسية في بناء مغرب ديمقراطي حقيقي.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »