skymidaralto.com
فاجعة انهيار العمارتين في فاس ليست حادثا عابرا ولا قدرا أسودَ يزورنا بين الحين والآخر، بل هي نتيجة مباشرة لبنية عمرانية متآكلة، ومؤسسات رقابية لا تقوم بدورها، وثقافة تراخيص تتساهل مع المخالفات حتى تتحوّل الطوابق غير المرخصة إلى قبور فوق رؤوس ساكنيها. ما وقع كشف عطبا مركّبا: مبانٍ شابها الغش، مراقبة شبه غائبة، وتراخيص لا تُحترم، إضافة إلى شبكة مسؤوليات تضيع بين مكاتب الإدارات وتعقيدات المساطر، بينما المواطن هو الحلقة الأضعف.
الأسباب التي أدت إلى الانهيار واضحة لكل من يقرأ المشهد بواقعية: الترخيص الأصلي لم يسمح إلا بطابقين، لكن المبنى انتهى بأربعة. هذا وحده دليل على خرق صارخ للقانون، إما بعلم السلطات المحلية أو بتغاضيها، وإما نتيجة فساد إداريٍ يسمح بتحويل كل لبنة إضافية إلى ربحٍ غير مشروع على حساب السلامة العامة. أجهزة المراقبة كان يفترض أن تُوقف الورش فورًا، وتعاين طبيعة الأرض، وجودة المواد، وسلامة الهيكلة، لكنها لم تفعل. والنتيجة كانت انهيارًا رُفع عنه تقريرٌ بعد فوات الأوان.
أما ربط المسؤولية بالمحاسبة، فهو الاختبار الحقيقي للدولة اليوم. لا معنى لشعارات عدم الإفلات من العقاب، إذا لم يكن هناك تحديد واضح لمن تجاوز الترخيص، من غضّ الطرف عن المخالفات، من لم يقم بواجب التفتيش، ومن وقّع على أوراق كان يجب أن تُرفض. المسؤولية هنا مشتركة: صاحب المبنى، المهندس، المقاول، السلطة المحلية، الوكالة الحضرية، وكل من مرّ من بين يديه الملف. المحاسبة لا ينبغي أن تكون شكلية أو انتقائية، بل رادعة، تضع حدًا ثقافيًا واجتماعيًا لفكرة (غادي ندوزوها) .
وتجنب تكرار هذه المآسي يتطلب إصلاحا جذريا، لا مجرد لجان تحقيق ظرفية. يجب أن تكون هناك قاعدة بيانات وطنية للمباني المهددة بالانهيار، فحص دوري إجباري بإشراف مهندسين مستقلين، عقوبات ثقيلة على أي طابق يُضاف خارج القانون، وإيقاف أي موظف عمومي يثبت أنه تورّط في تساهل أو تلاعب. كما ينبغي فرض برامج صيانة إجبارية للمدن العتيقة التي أصبحت بنياتها أقدم من طاقتها على الاحتمال. بدون رقمنة تراخيص البناء، توحيد المسؤوليات، وتفكيك شبكات الفساد الصغير التي تعشش في بعض الإدارات، سنعود لنقرأ الخبر نفسه بأسماء ضحايا جدد.
إنهيار البنايتين في فاس هو انهيار الثقة. والثقة لا تُبنى إلا حين يرى المواطن أن حياة الناس أغلى من رخصة بناء، وأن الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل جهاز حماية. إذا لم يتحوّل هذا الحدث إلى نقطة تحول حقيقية، فسنظل ننتظر أين ستنهار العمارة القادمة بدل أن نمنع سقوطها.
![]()















