بنكيران في الدريوش: حين تتذكر الأحزاب الناخب قبيل الانتخابات

Admin Sa.El13 أغسطس 2026Last Update :
بنكيران في الدريوش: حين تتذكر الأحزاب الناخب قبيل الانتخابات

skymidaralto.com

تأتي زيارة عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، إلى إقليم الدريوش يوم الاحد المقبل 16.08.2026 في سياق سياسي لا يمكن فصله عن الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالزيارات التي يقوم بها زعماء الأحزاب إلى الأقاليم والجهات، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات، لا تكون في الغالب مجرد جولات تواصلية عابرة، وإنما تحمل حسابات سياسية وانتخابية واضحة، من بينها جس نبض الشارع، وإعادة تنشيط التنظيمات المحلية، والبحث عن مرشحين قادرين على المنافسة، ومحاولة استعادة مواقع انتخابية فقدها الحزب أو لم يمتلكها أصلا.

ومن هذه الزاوية، تطرح زيارة بنكيران إلى الدريوش سؤالا مشروعا: هل جاء الرجل إلى الإقليم من أجل فتح صفحة جديدة من التواصل السياسي مع ساكنته، أم أن إقليم الدريوش لم يصبح فجأة مهم في أجندة الحزب إلا لأن موعد الاستحقاقات الانتخابية بدأ يقترب؟

السؤال لا يتعلق ببنكيران كشخص فقط، وإنما بمنطق اشتغال الأحزاب السياسية في المناطق التي قد لا تحظى بالحضور السياسي الكافي إلا عندما تبدأ عقارب الساعة الانتخابية في الدوران.

عبد الإله بنكيران ليس سياسيا عاديا. فقد ترأس الحكومة المغربية خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2017، وكان في قلب صناعة القرار السياسي والتنفيذي في البلاد. ولذلك فإن حضوره اليوم في إقليم الدريوش يفتح الباب أمام سؤال أكبر حول طبيعة العلاقة التي أقامها حزب العدالة والتنمية مع هذا الإقليم خلال سنوات وجوده في الحكومة.

لا يتعلق الأمر بالقول إن رئيس الحكومة كان مطالبا بزيارة كل قرية ودوار في المغرب، فهذا أمر غير واقعي، وإنما يتعلق بالسؤال عن حجم الحضور السياسي والتواصلي والتنظيمي لحزب العدالة والتنمية في الدريوش خلال تلك المرحلة، وعن مدى ارتباط الحزب بقضايا السكان وانتظاراتهم المحلية.

إقليم الدريوش ليس  مجرد نقطة على الخريطة يمر منها زعيم حزبي في جولة انتخابية. إنه إقليم له خصوصياته الاجتماعية والجغرافية والاقتصادية و الهوياتية، وله ذاكرة سياسية وناخبون راكموا تجربة طويلة مع مختلف الأحزاب والمرشحين.

والناخب بإقليم الدريوش لا يصوت بالضرورة للعلامة الحزبية وحدها. فالاعتبارات المحلية تلعب دورا مهما، من شخصية المرشح إلى حضوره الميداني، وعلاقاته الاجتماعية، وقدرته على الدفاع عن مصالح المنطقة، و القدرة على توزيع الولائم و شراء الاصوات فضلا عن شبكة التنظيم الحزبي التي تشتغل على مدار السنة وليس فقط خلال الحملات الانتخابية.

وهنا تحديدا تكمن صعوبة مهمة بنكيران وحزب العدالة والتنمية.

فالخريطة الانتخابية في الدريوش ليست أرضا سياسية خالية تنتظر حزبا جديدا. نتائج الانتخابات السابقة تؤكد أن المنافسة في الإقليم مفتوحة ومتعددة الأقطاب.

ففي الانتخابات التشريعية لسنة 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج، متبوعا بحزب الاستقلال ثم حزب الأصالة والمعاصرة، بينما سجلت أحزاب أخرى حضورا مهما. وفي الانتخابات البرلمانية الجزئية لسنة 2023، تغير ترتيب القوى، وتمكن حزب الأصالة والمعاصرة من احتلال المرتبة الأولى، متبوعا بحزب الاستقلال.

وهذا يعكس حقيقة سياسية مهمة: لا توجد في الدريوش، على الأقل وفق النتائج السابقة، قوة انتخابية واحدة تملك الإقليم بشكل دائم، وإنما توجد أحزاب تتنافس على النفوذ وتعيد ترتيب مواقعها من استحقاق إلى آخر.

وبالتالي، فإن حزب العدالة والتنمية لا يدخل إلى معركة انتخابية سهلة، بل يجد نفسه أمام قوى سياسية راكمت حضورا محليا، وأمام مرشحين وشبكات انتخابية لها تجربة طويلة في التعامل مع الناخبين.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع بنكيران أن يجمع الناس حوله في لقاء جماهيري؟

بل: هل يستطيع حزب العدالة والتنمية أن يحول الحضور الجماهيري لبنكيران إلى تنظيم انتخابي قوي في الدريوش؟

فبنكيران يمتلك قدرة واضحة على جذب الانتباه وصناعة النقاش السياسي. وهي قدرة لا يمكن إنكارها. الرجل يستطيع أن يحول لقاء حزبيا عاديا إلى حدث سياسي، وأن يستقطب المؤيدين والمعارضين، وأن يعيد الحزب إلى واجهة النقاش العام.

لكن الانتخابات لا تُحسم بالخطابات وحدها.

الانتخابات تحسم أيضا بالعمل التنظيمي اليومي، وبمن يعرف الجماعات والقرى والدواوير، وبمن يتابع مشاكل المواطنين، وبمن يحضر في السراء والضراء وليس فقط في موسم الانتخابات، وبمرشح له قبول اجتماعي، وبشبكة انتخابية تستطيع الوصول إلى الناخب يوم الاقتراع.

وهنا تظهر المفارقة.

قد تكون زيارة بنكيران مفيدة للحزب من الناحية الإعلامية والسياسية، وقد تعطي دفعة للتنظيم المحلي، لكنها لن تكون كافية وحدها لتغيير موازين القوى في الدريوش.

فالساكنة المحلية لا تحتاج فقط إلى زعيم وطني يأتي ويلقي خطابا ثم يغادر. إنها تحتاج إلى سياسيين محليين يتحدثون عن مشاكلها اليومية: فرص الشغل، والهجرة، والفلاحة، والصيد البحري حيث يرتبط الأمر بالمجال المحلي، والبنيات التحتية، والصحة، والتعليم، والاستثمار، ودعم الشباب، والنقل، والخدمات الأساسية.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى حزب العدالة والتنمية ليس فقط: ماذا يقول بنكيران؟

بل: ماذا سيقدم الحزب للدريوش تحديداً؟

ماذا سيقترح للشباب؟

ماذا سيقترح للقرى والجماعات؟

كيف سيتعامل مع مشكلات التنمية المحلية؟

ومن هم الأشخاص الذين سيحملون مشروع الحزب على المستوى المحلي؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من أي خطاب انتخابي.

ومن جهة أخرى، فإن عودة بنكيران إلى واجهة المشهد السياسي تحمل في حد ذاتها مفارقة. فالرجل الذي قاد الحكومة لسنوات يعود اليوم إلى الأقاليم والجهات في محاولة لإعادة بناء الحضور الانتخابي لحزبه بعد التراجع الكبير الذي عرفه حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021.

وقد يكون من الطبيعي سياسيا أن يسعى الحزب إلى استعادة قوته، وأن يقوم أمينه العام بجولات في مختلف المناطق. لكن ما ليس طبيعيا هو أن تختزل علاقة الحزب بالمواطن في موسم الانتخابات.

فالسياسة الحقيقية لا تبدأ عندما تفتح صناديق الاقتراع، ولا تنتهي عندما تغلق.

إذا كان حزب العدالة والتنمية يريد فعلا العودة إلى الدريوش، فإن عليه أن يكون حاضراً في الإقليم حتى عندما لا تكون هناك انتخابات، وأن يتابع الملفات المحلية، وأن يشتغل على بناء تنظيم قوي، وأن يقدم وجوهاً جديدة لها علاقة حقيقية بالمجتمع المحلي.

أما إذا كانت الزيارة مجرد محطة في جولة انتخابية وطنية، فإنها قد تنتهي مثل كثير من الزيارات السابقة: صورة جماعية، خطاب حماسي، عناوين صحفية، ثم عودة الجميع إلى قواعدهم في انتظار الاستحقاق المقبل.

الدريوش، في نهاية المطاف، ليست مجرد صندوق انتخابي ينتظر من يأتي إليه قبل موعد الاقتراع.

إنها منطقة لها ذاكرة سياسية، وناخبون يعرفون جيداً الفرق بين من يأتي إليهم في موسم الانتخابات ومن يظل قريباً منهم طوال السنوات.

وقد يستمع الناخب الدريوشي إلى بنكيران، وقد يتفاعل مع خطابه، وقد يصفق له، وقد يستعيد معه ذكريات مرحلة سياسية كاملة، لكنه في النهاية سيقف أمام صندوق الاقتراع وحيداً أمام ورقة التصويت.

وهناك، لن يكون السؤال عن شعبية بنكيران وحدها، ولا عن قوة خطابه، ولا عن عدد الحاضرين في التجمع.

السؤال سيكون أبسط وأكثر قسوة:

أين كان الحزب عندما لم تكن هناك انتخابات؟

وهذا السؤال، أكثر من أي خطاب جماهيري، قد يكون هو الاختبار الحقيقي لقدرة العدالة والتنمية على العودة إلى الدريوش.

فالزيارة يمكن أن تكون بداية عودة سياسية حقيقية، ويمكن أن تكون مجرد زيارة انتخابية متأخرة. والفاصل بين الاحتمالين لن تحدده الكلمات التي سيقولها بنكيران في الدريوش، وإنما ما سيحدث بعد مغادرته الإقليم.

فإذا بقي الحزب حاضرا، واستمع إلى المواطنين، وتابع ملفات المنطقة، وبنى تنظيما محليا قويا، وقدم مرشحين لهم مصداقية وقبول اجتماعي، فقد تتحول الزيارة إلى بداية مسار سياسي جديد.

أما إذا اختفى الحزب مرة أخرى إلى أن تقترب الانتخابات المقبلة، فإن الدريوش قد تمنح بنكيران وحزبه فرصة للخطاب، لكنها لن تكون بالضرورة مستعدة لمنحهم أصواتها.

وفي السياسة، كما في السوق، لا يكفي أن تفتح دكانك وقت الحاجة؛ عليك أن تكون موجودا عندما يأتي الزبون للبحث عنك.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »