skymidaralto.com (متابعة )
أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة تحولا لافتا في موازين القوى السياسية، بعدما تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من تصدر النتائج والحصول على أكبر عدد من المقاعد، لتنتقل فاطمة الزهراء المنصوري إلى موقع قيادة المشاورات الرامية إلى تشكيل الحكومة. غير أن هذا الانتصار الانتخابي سرعان ما فتح أمام الحزب اختبارا سياسيا وتنظيميا بالغ الحساسية، يتعلق أساسا بطبيعة التحالفات التي ينبغي أن تقوم عليها الحكومة المقبلة، وفي مقدمتها العلاقة مع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان إلى جانب الأصالة والمعاصرة والاستقلال أحد مكونات الأغلبية الحكومية السابقة.
المثير في هذه المرحلة أن النقاش لم يعد مقتصرا على الحسابات العددية للأغلبية البرلمانية، وإنما انتقل إلى داخل الحزب نفسه، حيث برز موقف قوي يرفض إعادة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار. وقد عبّرت أصوات داخل المجلس الوطني للبام عن رغبة واضحة في عدم إعادة إنتاج التحالف السابق، فيما تبنت القيادة، وعلى رأسها فاطمة الزهراء المنصوري، موقفا أكثر صراحة حين أكدت أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقوم على حكومة تضم الأحرار.
هذا الموقف لا يمكن اختزاله في مجرد خلاف حول توزيع الحقائب أو شروط المشاركة في الحكومة، بل يعكس تحولا أعمق في نظرة جزء من قواعد الحزب إلى موقع البام ودوره بعد أن أصبح الحزب الأول انتخابيا. فبعد سنوات كان فيها الأصالة والمعاصرة شريكا داخل حكومة يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، يرى جزء من مناضليه أن تصدر الانتخابات يمنحه فرصة لإعادة صياغة المشهد الحكومي والسياسي، وليس الاكتفاء بتغيير رئيس الحكومة مع الإبقاء على جوهر التحالف السابق.
ومن هذه الزاوية، يبدو رفض التحالف مع الأحرار بمثابة رسالة سياسية مفادها أن نتائج الانتخابات يجب أن تكون لها ترجمة واضحة في بنية الحكومة المقبلة. فالبام، وفقا لهذا المنطق، لم يفز بالانتخابات لكي يقود حكومة تشبه الحكومة السابقة، وإنما لكي يقدم صيغة سياسية جديدة تعكس التحول الذي أفرزته صناديق الاقتراع. ولذلك فإن إشراك الأحرار من جديد قد يطرح، بالنسبة إلى جزء من القاعدة، سؤالا مشروعا: إذا كان الناخب قد غيّر ترتيب الأحزاب ومنح البام المرتبة الأولى، فما معنى إعادة إنتاج التحالف الحكومي نفسه تقريبا؟
إلى جانب هذا الاعتبار، توجد خلفية انتخابية لا تقل أهمية. فمشاركة الأحرار في الحكومة المقبلة تعني أن البام سيتقاسم معه المسؤولية السياسية عن الحصيلة الحكومية المقبلة، كما أنه سيجد نفسه مرتبطا بشكل أو بآخر بحصيلة المرحلة السابقة التي كان الأحرار يقودونها. وبالنسبة إلى حزب تصدر الانتخابات ويرغب في تكريس موقعه كقوة سياسية رئيسية، فإن الدخول في حكومة تضم الحزب الذي فقد الصدارة قد يكون مخاطرة سياسية، خصوصا إذا واجهت الحكومة المقبلة صعوبات اجتماعية أو اقتصادية أو تراجعت شعبيتها مع مرور الوقت.
ومن هنا يمكن فهم رغبة بعض الأصوات داخل البام في منح الأحرار موقع المعارضة. فهذا الخيار يسمح للحزب الجديد في قيادة الحكومة بأن يقدم نفسه باعتباره صاحب مشروع مختلف، في حين يتحمل الأحرار مسؤولية مراقبة الحكومة من خارجها. كما أن وضع الأحرار في المعارضة قد يمنح البام مساحة أكبر لبناء هويته السياسية واستثمار انتصاره الانتخابي، بدل الدخول في منافسة داخلية مع شريك حكومي قوي.
غير أن استبعاد الأحرار لا يخلو من كلفة سياسية وحسابات معقدة. فالحصول على أكبر عدد من المقاعد لا يعني امتلاك الأغلبية البرلمانية، وهو ما يجعل الحزب في حاجة إلى عقد تحالفات مع عدد من القوى السياسية الأخرى. وكلما اتسعت دائرة الأحزاب المشاركة في الحكومة، ازدادت صعوبة التنسيق بينها، وارتفعت تكلفة التفاوض حول الحقائب والبرامج والأولويات السياسية. وقد يجد البام نفسه أمام أغلبية متعددة الأطراف، يكون لكل حزب فيها مطالبه الخاصة وحساباته الانتخابية.
في المقابل، فإن التحالف مع الأحرار يقدم للحكومة ميزة عددية وسياسية مهمة، تتمثل في تشكيل أغلبية أكثر راحة واستقرارا من الناحية البرلمانية. كما أن وجود حزبين كبيرين داخل الحكومة قد يسمح بتقاسم المسؤولية وتوسيع قاعدة الدعم السياسي للحكومة، وإن كان ذلك في الوقت نفسه قد يخلق تنافسا مستمرا بين الحزبين حول من يملك القرار ومن ينسب إليه الفضل في الإنجازات.
وهنا تظهر المعضلة الحقيقية أمام فاطمة الزهراء المنصوري. فهي توجد بين ضغطين متعارضين: ضغط تنظيمي وسياسي داخل الحزب يطالب بعدم إعادة التحالف مع الأحرار، وضغط واقعي تفرضه هندسة الأغلبية البرلمانية والحاجة إلى تشكيل حكومة قادرة على الاستمرار. وبالتالي فإن القرار لن يكون مجرد تعبير عن موقف سياسي من التجمع الوطني للأحرار، وإنما سيكون اختبارا لقدرة القيادة على التوفيق بين إرادة القاعدة ومتطلبات الحكم.
والأهم في هذا السياق هو التمييز بين موقف أغلبية المنخرطين وموقف المؤسسات الحزبية. فالمعطيات المتداولة تتحدث عن رفض واضح داخل المجلس الوطني لمشاركة الأحرار، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود تصويت شامل لكل المنخرطين في الحزب. ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع عبارة “أغلبية المنخرطين”، لأن ما يهم في النهاية هو القرار الذي تتخذه المؤسسات المخولة دستوريا وتنظيميا بتحديد توجه الحزب في مرحلة تشكيل الحكومة.
ومع ذلك، فإن تجاهل موقف القاعدة سيكون بالنسبة إلى القيادة مخاطرة حقيقية. فإذا أعلنت المنصوري رفض التحالف مع الأحرار ثم عادت إلى التحالف معه دون تبرير سياسي مقنع، فقد تواجه انتقادات داخلية وتتهم بأنها تجاوزت الإرادة التنظيمية للحزب. أما إذا تمسكت بالموقف الرافض مهما كانت الظروف، فقد تجد نفسها أمام مشكلة أخرى، وهي صعوبة تشكيل أغلبية حكومية متماسكة، خصوصا إذا تطلب الأمر تجميع عدد كبير من الأحزاب لتغطية النقص العددي الذي يتركه غياب الأحرار.
لذلك قد يكون الحل الأكثر واقعية هو أن يتحول موقف رفض الأحرار من “قرار نهائي” إلى “ورقة تفاوضية”. بمعنى أن القيادة يمكن أن تتمسك في المرحلة الأولى بالموقف الذي عبرت عنه قواعد الحزب، وتبحث عن بدائل لتشكيل الأغلبية، وفي الوقت نفسه تترك لنفسها هامشا سياسيا يسمح بإعادة النظر في صيغة التحالف إذا تبين أن البدائل غير قادرة على إنتاج حكومة مستقرة. وفي هذه الحالة لن يكون التحالف مع الأحرار تراجعا عن الموقف بقدر ما سيكون نتيجة لشروط سياسية جديدة تفرضها عملية تشكيل الحكومة.
كما أن وضع الأحرار في المعارضة يحمل بدوره مخاطر على البام. فالحزب الذي ينتقل إلى المعارضة يتحرر من مسؤولية تدبير الملفات الحكومية، ويصبح أكثر قدرة على انتقاد الحكومة واستثمار أخطائها. وإذا نجحت المنصوري في تشكيل حكومة تواجه صعوبات أو لم تتمكن من تحقيق الوعود الانتخابية، فإن الأحرار قد يجد في المعارضة فرصة لإعادة بناء صورته واستعادة جزء من قوته السياسية. وبالتالي فإن إخراج الأحرار من الحكومة لا يعني بالضرورة إضعافه، بل قد يمنحه في بعض الظروف موقعا أكثر راحة لممارسة النقد السياسي.
لهذا تبدو المسألة في جوهرها أكبر من مجرد خلاف بين حزبين. إنها تتعلق بالسؤال الذي يواجه الأصالة والمعاصرة بعد تصدره الانتخابات: هل يريد أن يتحول إلى حزب قائد قادر على فرض تصور جديد للحكومة، أم أنه سيختار منطق الاستقرار والواقعية البرلمانية ولو أدى ذلك إلى الاستمرار في بعض التحالفات السابقة؟
ومن المرجح أن تحاول فاطمة الزهراء المنصوري تجنب الصدام المباشر مع موقف المجلس الوطني، خصوصا بعد أن أصبح رفض مشاركة الأحرار موقفا معلنا داخل الحزب. لكن هذا لا يعني بالضرورة إغلاق الباب نهائيا أمام الحزب. فالقيادة، بحكم مسؤوليتها عن تشكيل الحكومة، ستحتاج إلى الاحتفاظ بهامش واسع من المناورة، لأن الحسابات السياسية لا تتطابق دائما مع الحسابات التنظيمية.
وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي للبام لن يكون فقط في قدرته على إقصاء الأحرار من الحكومة، وإنما في قدرته على بناء بديل سياسي وحكومي مقنع وقابل للاستمرار. فإذا استطاع الحزب تشكيل أغلبية متماسكة دون الأحرار، فإنه سيكون قد نجح في ترجمة انتصاره الانتخابي إلى تحول سياسي حقيقي، وسيكون قد وضع نفسه في موقع قيادة مختلف عن المرحلة السابقة. أما إذا اضطر في نهاية المطاف إلى الاستعانة بالأحرار، فإن نجاحه أو فشله سيتوقف على شروط هذا التحالف ومدى قدرته على فرض أجندته باعتباره الحزب الأول.
وبذلك يمكن القول إن موقف القاعدة الرافض للتحالف مع الأحرار يمثل اليوم ورقة قوة للمنصوري أكثر مما يمثل قيدا عليها. فهو يمنحها هامشا واسعا في التفاوض مع مختلف الأحزاب، ويؤكد أن قيادة الحكومة المقبلة لا تريد ببساطة إعادة إنتاج التجربة السابقة. لكن هذه الورقة لن تكون ذات قيمة إلا إذا استطاع البام تحويلها إلى مشروع أغلبية واضح ومتماسك.





