skymidaralto.com
أثارت قضية عبد العالي حامي الدين والشهيد محمد بنعيسى آيت الجيد نقاشا قانونيا وحقوقيا واسعا، بالنظر إلى ارتباطها بإشكالية حجية الأحكام القضائية السابقة، وحدود إعادة المتابعة الجنائية، والتوازن بين حقوق الدفاع وحق الضحايا في الإنصاف. فبعد إدانة حامي الدين ابتدائيا بثلاث سنوات حبسا نافذا في 11 يوليوز 2023، أفادت تقارير صحفية بتاريخ 22 أكتوبر 2026 بأن غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بفاس ألغت الحكم، وصرحت بسقوط الدعوى العمومية بسبب سبقية البت، وقضت بعدم الاختصاص في الطلبات المدنية.
ويتمحور النقد الأساسي لهذا القرار حول مدى سلامة تطبيق مبدأ سبقية البت، الذي يهدف إلى منع محاكمة الشخص مرتين عن الأفعال نفسها وضمان استقرار الأحكام القضائية. غير أن الاستناد إلى هذا المبدأ لا يكفي بمجرد وجود حكم سابق مرتبط بالقضية، بل يستلزم التحقق من نهائيته، وتحديد الوقائع التي فصل فيها، ومدى تطابقها مع موضوع المتابعة اللاحقة. ومن ثم، فإن القيمة القانونية للقرار تتوقف على مدى دقة المحكمة في إجراء هذه المقارنة وتوضيح الأساس الذي اعتمدته لإنهاء الدعوى العمومية.
وتبرز هنا نقطة نقدية جوهرية تتمثل في العلاقة بين الحكم السابق والتكييف القانوني الذي اعتمدته المحكمة الابتدائية سنة 2023. فاختلاف التكييف لا يبرر تلقائيًا إعادة المحاكمة، كما أن ارتباط المتابعتين بالواقعة التاريخية نفسها لا يثبت بالضرورة تطابق جميع الأفعال موضوعهما. لذلك، كان من الضروري أن ينصب التعليل القضائي على تحديد نطاق حجية الحكم السابق، بدل الاكتفاء بالإحالة إلى وجوده. ويُعد هذا الجانب معيارًا أساسيًا لتقييم مدى احترام القرار لمبدأ الشرعية الإجرائية، وللتأكد من أن سبقية البت طُبقت بناءً على عناصر قانونية محددة، لا على مجرد التشابه العام بين الملفات.
ومن زاوية حقوقية، يثير القرار مسألة التوازن بين حماية المتهم من تكرار المتابعة وضمان حق أسرة الضحية في الوصول إلى الحقيقة والإنصاف. ولا تعني حماية حقوق الضحايا تجاوز حجية الأحكام النهائية، مثلما لا ينبغي أن يؤدي التمسك بهذه الحجية إلى إغفال ضرورة بيان نطاقها وآثارها. فالمطلوب قضائيًا هو التوفيق بين الحق في محاكمة عادلة واحترام استقرار الأحكام، من خلال تعليل يوضح ما إذا كانت المسؤولية موضوع المتابعة قد حُسمت سابقًا بالفعل. وفي هذا السياق، فإن إنهاء الدعوى العمومية بسبب سبقية البت لا يساوي حكمًا موضوعيًا جديدًا بالبراءة، بل يعكس نتيجة قانونية مرتبطة بمدى جواز مواصلة المتابعة.
كما يستوجب القضاء بعدم الاختصاص في الطلبات المدنية توضيح الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة، لأن عدم الاختصاص لا يعني بالضرورة نفي الحق في التعويض من حيث الموضوع. ويظل من الضروري التمييز بين عدم إمكان نظر المحكمة في الطلب المدني ضمن المسار المعروض عليها وبين الفصل النهائي في استحقاق التعويض، إذ تختلف الآثار القانونية لكل حالة بحسب تعليل القرار والقواعد الواجبة التطبيق.
وعليه، فإن النقد الحقيقي للقرار لا ينبغي أن ينصب على النتيجة وحدها، بل على جودة التعليل الذي يبررها. فإذا كانت المحكمة قد أثبتت تحقق شروط سبقية البت وحددت بدقة نطاق الحكم السابق، فإن قرارها يجد أساسه في حماية الأمن القضائي. أما إذا لم يوضح التعليل بصورة كافية عناصر التطابق بين الوقائع والحكم السابق، فإن ذلك يثير إشكالًا بشأن كفاية التسبيب ومدى إقناع الأساس القانوني المعتمد. ولا يمكن الحسم بين هذين الاحتمالين دون الاطلاع على النص الكامل للقرار الاستئنافي والأحكام السابقة ذات الصلة..














