إضراب نبيل أحمجيق عن الطعام معركة في السجن من اجل الحق في التعليم

Admin Sa.El3 ساعات agoLast Update :
إضراب نبيل أحمجيق عن الطعام معركة في السجن من اجل الحق في التعليم

skymidaralto.com

 

تطرح قضية المعتقل نبيل أحمجيق، المرتبطة بإضرابه عن الطعام احتجاجا على رفض إدارة سجن طنجة مطالبه المتعلقة بالإعداد لسلك الدكتوراه، إشكالا يتجاوز حدود الخلاف الإداري بين المعتقل وإدارة المؤسسة السجنية. فهي تضع على المحك مدى احترام الحق في مواصلة التعليم العالي داخل السجون، كما تكشف طبيعة العلاقة بين الإدارة والمعتقل عندما يتعلق الأمر بمطلب أكاديمي يرتبط بمستقبله العلمي والمهني. ومن خلال رد المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، والذي اختارت فيه المؤسسة مصطلح( مغالطات ) بشأن إضراب أحمجيق، يمكن الوقوف على مجموعة من الملاحظات التي تستدعي قراءة نقدية هادئة، لا تكتفي بعرض الرواية الرسمية، بل تتساءل أيضا عن مدى استجابتها لجوهر النزاع.

أول ما يلفت الانتباه في هذا الرد هو أن المندوبية تبدو منشغلة بتفنيد ما تعتبره معطيات غير دقيقة حول الوضع الدراسي للمعتقل، وبإبراز ما استفاد منه من تعليم أو تكوين خلال فترة اعتقاله. ولا شك أن من حق الإدارة أن توضح الوقائع وأن تصحح المعلومات التي تراها مغلوطة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة عمومية تخضع للمساءلة أمام الرأي العام. غير أن تصحيح بعض المعطيات لا يحسم بالضرورة أصل المشكلة، لأن السؤال المطروح في حالة نبيل أحمجيق لا يتعلق فقط بما إذا كان قد استفاد من الدراسة في مرحلة سابقة، وإنما بما إذا كان قد مُكّن فعليا من الشروط الضرورية للإعداد لسلك الدكتوراه، وبما إذا كانت المطالب التي تقدم بها قد قوبلت بقرار معلل ومبرر.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الاستفادة من التعليم بصفة عامة، وبين التمكين من متابعة بحث أكاديمي متقدم. فالدكتوراه ليست مجرد امتداد شكلي للمسار الجامعي، بل هي مشروع علمي يتطلب الاطلاع على المراجع والمصادر، وإنجاز البحوث، والتواصل مع الأساتذة والمشرفين، والاستفادة من الوسائل التي تفرضها طبيعة التخصص و الهدوء. ولذلك، فإن الإشارة إلى أن المعتقل سبق له أن استفاد من الدراسة أو حصل على شهادات تعليمية لا تجيب، في حد ذاتها، عن مطلبه الحالي. فقد يكون المعتقل قد استفاد من حقه في التعليم في ظروف معينة، لكنه يواجه في الوقت نفسه عوائق تحول دون مواصلة مساره البحثي. والفرق بين الأمرين جوهري، لأن الحق في التعليم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد فرصة محدودة أو امتيازا تمنحه الإدارة وفق تقديرها، بل باعتباره حقا يتعين تيسير ممارسته في حدود القانون والإمكانات المتاحة.

ومن هذه الزاوية، فإن جوهر القضية يتمثل في معرفة طبيعة المطالب التي تقدم بها نبيل أحمجيق من أجل الإعداد للدكتوراه، والأسباب التي دفعت إدارة سجن طنجة إلى رفضها. فإذا كان المطلب يتعلق بالحصول على مراجع علمية، أو استعمال وسائل معينة للبحث، أو التواصل مع الجامعة والأساتذة، أو الاستفادة من ترتيبات خاصة تفرضها طبيعة البحث الأكاديمي، فإن تقييم القرار الإداري يقتضي فحص كل مطلب على حدة، بدل الاكتفاء بإثبات أن المعتقل استفاد من التعليم في السابق. فالمشروعية لا تُقاس فقط بوجود إمكانية عامة للدراسة، وإنما كذلك بمدى ملاءمة الوسائل المتاحة مع طبيعة المستوى العلمي الذي يسعى المعتقل إلى بلوغه.

إن اعتماد خطاب يقوم على نفي ما سمته الإدارة العامة للسجون بالمغالطات قد يكون مفهوما من الناحية المؤسساتية، لكنه يطرح سؤالا حول الأولويات التي ينبغي أن تحكم التواصل في مثل هذه القضايا. فالمؤسسة السجنية مطالبة بتوضيح الوقائع، لكنها مطالبة أيضا بتقديم إجابات عملية عن المطالب التي كانت وراء الاحتجاج. وإذا كان الرد يركز على نفي الحرمان من الدراسة، دون أن يوضح بشكل كافٍ لماذا رُفضت المطالب المرتبطة بالدكتوراه، وما الأساس القانوني أو التنظيمي لذلك الرفض، وما البدائل التي عُرضت على المعتقل، فإن هذا الرد يظل ناقصًا من الناحية الحقوقية، حتى لو كانت المعطيات التي يتضمنها صحيحة من الناحية الواقعية. ذلك أن نفي الاتهام لا يعادل بالضرورة معالجة أصل النزاع، وتصحيح المعلومة لا يغني عن إيجاد الحل.

كما أن هذه القضية تفرض مساءلة مفهوم الحق في التعليم داخل المؤسسات السجنية. فوجود عرض تعليمي أو السماح للمعتقل بمتابعة الدراسة لا يعني تلقائيًا أن هذا الحق يمارس بصورة فعلية وكاملة. إذ تختلف متطلبات التعليم الأساسي أو الجامعي عن متطلبات البحث في سلك الدكتوراه، الذي يحتاج إلى موارد علمية وتواصل أكاديمي ووسائل عمل قد لا تكون متاحة بالطرق العادية داخل السجن. ومن ثم، فإن مسؤولية الإدارة لا تقتصر على فتح المجال أمام الدراسة في معناها العام، بل تشمل أيضا البحث عن ترتيبات مناسبة تتيح للمعتقل، قدر الإمكان، مواصلة مشروعه العلمي، مع احترام مقتضيات الأمن والنظام الداخلي.

ولا يعني ذلك أن كل مطلب يتقدم به المعتقل يجب أن يُقبل دون قيد أو شرط، أو أن الاعتبارات الأمنية والتنظيمية غير مشروعة. فقد توجد بالفعل قيود تتعلق باستعمال الأجهزة الإلكترونية، أو إدخال الكتب والمراجع، أو تنظيم الاتصالات، أو حماية أمن المؤسسة. غير أن هذه القيود ينبغي أن تكون محددة ومعللة ومتناسبة مع الغاية التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها. كما ينبغي، متى كان ذلك ممكنا، البحث عن بدائل أقل تقييدا للحق في التعليم، بدل الاكتفاء بالرفض. فحين يتعذر السماح بوسيلة معينة، يمكن التساؤل عن إمكان توفير وسيلة أخرى تحقق الغرض الأكاديمي نفسه، كتنظيم الاطلاع على المراجع، أو تسهيل التواصل مع الجهات الجامعية وفق ضوابط واضحة، أو اعتماد ترتيبات خاصة تتلاءم مع طبيعة البحث.

أما إضراب نبيل أحمجيق عن الطعام، فلا ينبغي اختزاله في مجرد خلاف إداري عابر. فالإضراب عن الطعام، بما ينطوي عليه من مخاطر على صحة المعتقل وحياته، يمثل مؤشرا خطيرا على عمق الاحتجاج وعلى احتمال وجود أزمة ثقة بين المعتقل والإدارة. وإذا كان الإضراب قد جاء نتيجة رفض مطالب أكاديمية، فإن ذلك يستدعي فتح حوار جدي حول أسباب النزاع، بدل الاقتصار على الرد الإعلامي أو نفي الاتهامات. فالمقاربة المؤسساتية الأكثر نجاعة لا تتمثل فقط في الدفاع عن صورة الإدارة، وإنما في الاستماع إلى المطالب، وتوضيح أسباب القرارات، والبحث عن حلول عملية تحول دون استمرار الاحتجاج، مع ضمان الرعاية الصحية واحترام حقوق المعتقل.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى أن إعادة الإدماج، باعتبارها أحد الأهداف الأساسية للعمل السجني، لا يمكن فصلها عن الحق في التعليم والتكوين. فتمكين المعتقل من مواصلة مشروعه الأكاديمي قد يشكل عنصرا أساسيا في الحفاظ على مستقبله العلمي والمهني، وفي مساعدته على بناء حياة جديدة بعد انتهاء فترة الاعتقال. ولذلك، فإن دعم التعليم العالي لا ينبغي أن يظل مجرد خطاب مؤسساتي، بل يجب أن ينعكس في الممارسة من خلال توفير الشروط المناسبة، في حدود القانون والإمكانات، ومراعاة اختلاف الحاجات التعليمية بين المعتقلين.

إن القراءة النقدية لرد المندوبية العامة لإدارة السجون على قضية نبيل أحمجيق تقتضي، في نهاية المطاف، تجاوز السؤال الضيق المتعلق بما إذا كان المعتقل قد استفاد من الدراسة أم لا، والانتقال إلى سؤال أكثر دقة وعمقا: هل مكنت إدارة سجن طنجة المعتقل من الشروط الفعلية والضرورية للإعداد لسلك الدكتوراه، أم أنها اكتفت بعرض معطيات عن استفادته التعليمية السابقة لتبرير رفض مطالبه؟ فهذا هو الاختبار الحقيقي لمدى احترام الحق في التعليم العالي داخل السجن.

وعليه، فإن قوة الرد الإداري لا ينبغي أن تقاس فقط بقدرته على نفي ما تسميه المندوبية مغالطات ، وإنما بقدرته على تقديم رواية دقيقة ومتكاملة عن مطالب المعتقل، وشرح الأساس القانوني والعملي لرفضها، وبيان البدائل التي يمكن اعتمادها، وفتح قنوات حوار جدي معه. أما الاكتفاء بالدفاع عن صورة المؤسسة دون معالجة الأسباب التي دفعت إلى الإضراب، فإنه يترك جوهر القضية معلقا، ويُبقي التساؤل قائما حول مدى اتساق الممارسة السجنية مع الالتزام المعلن بإعادة الإدماج واحترام الحق في التعليم.

إ قضية نبيل أحمجيق تذكرنا بأن التعليم داخل السجن لا ينبغي أن يُعامل باعتباره منحة أو امتيازا إداريا، بل باعتباره حقا ينبغي العمل على ضمان ممارسته بصورة فعلية. كما تذكر بأن معالجة الاحتجاجات المرتبطة بهذا الحق لا تمر فقط عبر البيانات التوضيحية، وإنما عبر الحوار، والتعليل، وتوفير الحلول. ومن هنا، فإن المسؤولية المؤسساتية تقتضي الانتقال من منطق نفي الاتهامات إلى منطق معالجة المطالب، لأن نجاح أي سياسة لإعادة الإدماج لا يقاس بعدد البرامج المعلنة، بل بقدرتها على تمكين المعتقل من بناء مستقبله، حتى في أصعب ظروف الحرمان من الحرية.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »