يونس البوتكمانتي: عُواء ومُواء

Admin Sa.El1 ديسمبر 2024Last Update :
يونس البوتكمانتي: عُواء ومُواء

سكاي ميضار ألطو ( إبداع من البلدة )

تقيأني القطار القادم من محطتنا القروية التي تتوسطها شجرة الصفصاف المعمرة. تقيأني وحدي. صرت أتشظى في سواد الليل وعتمة المحطة. كان سواد الليل قد ابتلع بياض النهار كله، ولم يبق من زرقة السماء شيئا. وحدها النجوم كانت تتراقص على صفحتها وتتقافز. ووحدها الرياح تعوي على الرصيف وفي كل الجنبات، والقطار مضى يدهس السكة دهسا ويبتلع طريقه ابتلاعا..كنت الآدمي الوحيد الملقى على الرصيف كقط ضال غير مرغوب فيه، أو ككيس لم يعد صالحا لشيء. وحدي، أصارع سياط الريح وعواءه، وقبالتي بواب المحطة يتكور على كرسي خشبي وينفخ في راحتيْ كفيه. كانت أنياب البرد تنغرس في جسده القصبي وتعض جثتي الهزيلة أيضا. كانت تلسعه دون أن تتورع، وهو يجهد ليتحاشا سمها القاتل، لكنه يفشل، ولا شك، في كل محاولة..

دفعت الباب الخارجي دون أن يتحرك البواب من مكانه. استقبلني بابتسامة زرقاء باردة تشبه الجو الخارجي تماما. من الجهة الداخلية للشباك الزجاجي يقبع الموظف الذي يجثم على الكونتوار، كان يأكلني بعينيه أكثر مما يأكل خبز القمح الطري. يبدو ناعسا أو محششا. كل شيء ميت في المحطة. وحده العدم، وأنا كنا نزحف بتؤدة ونبتغي الحياة. الآخرون يبدون وكأنهم ينتظرون موتهم. ثم إن الآخرين قليلون. أرسلت ابتسامة ذابلة للموظف، ذابلة كما كنت، لكنه لم يلتقطها، فتسقط على أرضية المحطة الاسمنتية. ربما كان ساهيا غارقا في مستنقع ما..

غادرت بسرعة مشبوهة. سحبت الباب الثاني. ألقيت بقدميّ إلى الأمام، فصار هيكلي في مصارعة الريح العاوية ثانية. أتذكر أن أبي حذرني من المدينة التي أتجه إليها. تذكرته يقول: “المدينة حبلى باللصوص. المدينة تنبت قطاع طرق كما تنبت أرضنا الجبيلة أشجار السدر.” أتذكر كل حزمه. أتذكر خوفه علي. تتقافز تحذيراته على طبلة أذني: “حذاري يا ولدي. الدنيا تغيرت” تتحول داخلتي إلى ديدان وجل تأكل مني على مهل. أمي هي الأخرى كانت تقول الكثير وهي تشيّع رحيلي. كانت تُذكّرني أن لا أنسى أن أقول لخالتي أن الأرانب التي طَلَبَتْهَا السنة الماضية لا تستطيع أن ترسلها هذه المرة. الأرانب مرت عليها جائحة قبيحة أماتتها كلها. لم تترك للمسكينة شيئا. وتذركني أن أقول لها أن أمي تحسرت كثيرا، وربما بكت على فاجعتها هذه. كانت أمي تقول ذلك لاستمالة عطف أختها، وربما لتقدم لها عذرا مشروعا..

حقا، أرانب أمي ماتت كلها.. أماتها مرض خبيث، وما تبقى منها ابتلعته الجرذان الكبيرة التي تتسلل إلى خم والدتي من حقل الصبار الذي يحيط به.. أمي تذكرني أيضا بأن أُوصل إلى خالتي خاتمها الذهبي الذي كانت قد أعارته لها من قبل لحضور عرس ابن عمي الزياني.. وتطلب مني أن أخبر خالتي أن عروسة الحاجة الزاهية قد ولدت صبيا سمته مبارك تبركا بجدها الذي مات في الحرب الأهلية الاسبانية.. ثم تتذكر أنها نسيت أن تطلب مني أن أقول لها أيضا أن كل نساء القرية يسلمن عليها، وتفعل..

أمي لا تكف عن نصحي هي الأخرى، ولا تكف عن الإلحاح في تذكيري بأن لا أنسى شيئا مما تقوله ومما تريدني أن أقوله.. كثير ما تريده أمي من خالتي، وكثير ما تريده مني أن أوصله.. أبي موجز في كل شيء.. وحده الخوف علي يؤرقه رغم أنني أطمئنه، ورغم أنه يعلم أنها ليست المرة الأولى التي أزور فيها هذه المدينة النائمة بين واديين يحتضران..

أبحث عني، فأجدني أتأمل قططا تحرث قمامة تنام على الرصيف بشكل مائل.. القطط لا تكمل فرحتها، هناك فيلق من الكلاب يقصد القمامة باندفاع عنيف.. الكلاب ستستولي على القمامة والقطط ستندب حظها اللعين.. في كل شيء، هناك قوي يشرب نخب انتصاره، ومسحوق يجرع كوب هزيمته بمقت.. وبالقرب من كل هذا أسمع مواء آدميا.. أبحث عني ثانية فأجدني أندفع تجاه الصوت الموائي.. ثم أتذكر تحذير أبي فأعود أدراجي.. الكل مخيف في هذه المدينة اللعينة.. يموء الآدمي ثانية، ثم يئن.. أئن معه.. لكنني أخشاه أن يكون لُغْما نُصب لأمثالي.. أتذكر أمي.. أتذكر أبي.. أتذكر عمتي البتول.. أهالي القرية.. أخشى أن أقع في شراك فيحدث لي شيء فأفقدهم للأبد..

أبحث عني ثالثة فألفي أناي تودع نفسها لكشف الستار عن الكومة الآدمية التي تجاور القمامة.. لكنني سرعان ما ألعن الشيطان الذي تنصحني والدتي دائما بلعنه حين تسودّ رُبى القرية في عينيّ، والذي يلعنه والدي كل مرة، كأن يلعن ذاك الشيطان الذي يوسوس له بأن يشتري دراجة أو قميصا جديدا لأخي الأصغر.. ألعن الشيطان ثم أهرب إلى حيث يشتهي أبي وأمي.. ويظل المواء يطاردني ويخيم على حمى أذني.. وأظل أنا أكابد طرده واغتيال شبحه..

هذه المدينة صغيرة كما تقول خالتي دائما حين كنت أزورها من قبل.. والصغار دائما دراويش.. المدينة درويشة، لكنها تظل وكرا تحضن فيه السفالة بيضها الذي يفقس أنذالا.. وخالتي تطمئنني أن لا شيء يمكن أن يحدث لي ما دمت أعود إلى البيت في وقت مناسب.. لكنني اليوم أنزل المدينة ليلا، والليل مخيف ومفزع..

بالقرب مني، تمر سيارة طائرة.. ووراءها طاكسي بلون التراب.. توقفها يدي اليمنى، بينما تظل اليسرى تصارع الألم الذي تحدثه الحقيبة البدوية المهترئة.. اقتحمت على السائق خلوته.. سألته بلهفة المتعطش إلى الجواب:

– كم الساعة يا ترى أخي..؟

– العاشرة وربع..

– آه.. كثير..

– هذه الساعة الجديدة.. ليست القديمة..

– دعنا أخي من الخواء الخاوي.. الساعة ساعة، والسلام.. قل لي: الآن التاسعة وربع..

– ولكن التوقيت صيفي.. لا بد يا صاحبي..

– لكنني أرى مدينتكم غارقة في الشتاء..

يصمت لحظة.. ينسى الموضوع، ثم يسألني السؤال المؤجل:

– إلى أين..؟ نسيت أن أسألك..

– حي مولاي عبد القادر..

تسير السيارة في الصمت وفي العتمة التي ترفرف بجناحيها على سماء المدينة.. السائق ذائب في صمته، ومثله أذوب أنا الآخر في كل شيء..

بقرب القهوة التي عهدت النزول عند عتبتها أوقفته.. دفعت.. شكرت.. وودّعت.. ثم ارتميت بعيني على باب بيت خالتي الحديدي.. بعد أن طرقت كثيرا ودققت الجرس مرات، لم تفتح خالتي، ولم أسمع لصغارها الذين يملأون دنياها صخبا.. تهاوت على ذاكرتي سيول من الاحتمالات والتوقعات، ورجعت ثانية إلى الدق والرن، لكن لا شيء يكسر صمت المكان إلا عواء الريح.. جائني شبح أبي، الذي يقول أن الدنيا صارت قبيحة والناس معادن كثيرة، يلهث.. وجاءني مواء الآدمي قرب القمامة، وجاءتني أشباح القطط والكلاب.. تخيلتني أجاورهم الليلة.. تخيلتني متسكعا.. وتخيلت الآخرين الذين يطلون من البيض الذي تحضنه السفالة يعبثون بي وبأشيائي وبأشياء أخرى.. رجعت إلى الدق، ورجعت إلى نفسي، وجدتني فارغا من كل شيء.. صرت أنبوبا فارغا يسكنه العدم.. ثم ماذا بعد هذه الورطة التي لم تكن في حسابات أبي وأمي..؟ وفي حساباتي أيضا.. لكن ما يشبه خالتي، التي يتبعها أبناءها الثلاثة كجراء طائشة، تتراءى لي غير بعيدة في العتمة.. قلت في نفسي:

– أواه.. النساء أيضا يسرن ليلا في هذه المدينة..؟؟!!

يقترب مني شبح خالتي.. تموت كل الاحتمالات التي اقتحمت فضائي.. يسافر شبح أبي وأمي إلى العدم، وأبقى أنا هنا لأتلقى قبلات خالتي وضمها وتقافز أبناءها على كتفي وعلى الحقيبة التي أتيت بها ككناغر صغيرة.. كل شيء جميل داخل بيتها البسيط.. وكل شيء جميل رفقة كتاكيتها الصغار.. كل شيء بقي كما عهدته.. خالتي سألتني عن كل شيء.. خالتي تحدثت عن ما لم يخطر ببال أمي.. تحدثت عن البئر الذي كان مطمورا ثم حفرناه من جديد.. سألتني عن الفرن الطيني الذي أرادت أمي أن تبنيه.. سألتني عن تفاصيل التفاصيل، وكنت مقنعا في كل ردودي، وخالتي ترضى علي كل مرة، وألف مرة في الليلة..

كانت الزيارة عادية رائعة كما المرات السالفة، لكن خالتي هذه المرة تحلف بالله لأبقينّ معها أكثر، وأنا أستعطفها، وأقول أن أبي ينتظرني لأجني معه الفول والبازلاء، وأساعده على حمل الكل إلى سوق الثلاثاء.. لكن خالتي لا تثق في كلامي، وطلبت مني أن أقسم بمسجد سيدي صالح، الله ينفعنا ببركته.. أفعل.. ثم تقول: “الله يعاونكم على الزمان يا ولد أختي” ثم أمضي وحيدا، لكن هذه المرة دون أن أصارع عواء الريح.. أما مواء الآدمي فظل أزيزه يتعقبني ويطاردني حتى وأنا أجني البازلاء بقريتنا..

 

 

 

 

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »