skymidaralto.com
يشهد المغرب خلال الفترة الأخيرة تحولا واضحا في تعاطيه مع ظاهرة البث غير القانوني عبر الإنترنت، حيث انتقل من مقاربة محدودة إلى نهج صارم يمكن وصفه بالحرب الشاملة على منصات IPTV ومواقع الستريمينغ المقرصنة. هذا التحول جاء نتيجة التوسع الكبير في استخدام هذه الخدمات، التي تعتمد على إعادة بث قنوات تلفزية ومحتوى مدفوع دون الحصول على التراخيص القانونية، مقابل اشتراكات منخفضة الثمن، وهو ما أدى إلى خسائر مالية معتبرة لأصحاب الحقوق، وأثر سلبًا على مداخيل القنوات الوطنية والشركاء الدوليين، كما أضعف جاذبية الاستثمار في قطاع الإعلام والترفيه الرقمي. وتفيد معطيات مهنية دولية بأن شبكات IPTV غير القانونية غالبًا ما تكون مرتبطة ببنى عابرة للحدود، تستغل الفجوات القانونية والتقنية، وتلجأ أحيانًا إلى وسائل دفع غير تقليدية مثل العملات المشفرة، ما يرفع من مستوى المخاطر الاقتصادية والأمنية المرتبطة بها.
في هذا السياق، شرعت السلطات المغربية، خصوصًا خلال سنتي 2024 و2025، في تنفيذ استراتيجية أكثر تشددًا تقوم على المنع الاستباقي والحجب التقني والتنسيق المؤسساتي، حيث تم إحداث لجنة مشتركة تضم قطاعات حكومية وهيئات تنظيمية وشركات الاتصالات، إلى جانب ممثلي أصحاب الحقوق، بهدف رصد المحتوى غير المرخص والتدخل السريع لحجبه. وقد تُرجمت هذه المقاربة عمليًا عبر حجب عدد من مواقع الستريمينغ ومنصات IPTV التي تعيد بث القنوات المغربية والدولية دون إذن، سواء من خلال تعطيل أسماء النطاقات أو تقييد الوصول إلى الخوادم المرتبطة بالبث المقرصن، خاصة خلال الأحداث الرياضية الكبرى التي تشهد إقبالا واسعا من الجمهور. كما عزز المغرب هذا التوجه من خلال الانخراط في تعاون دولي مكثف، تُوّج باستضافة لقاءات وندوات حول مكافحة القرصنة السمعية البصرية بمشاركة خبراء ومنظمات دولية، انطلاقا من قناعة رسمية بأن القرصنة الرقمية لم تعد إشكالا محليا، بل جزءا من اقتصاد ظل عالمي يتطلب تنسيقا عابرا للحدود.
ورغم هذه الإجراءات، تشير مؤشرات السوق إلى استمرار الطلب القوي على خدمات IPTV غير القانونية، خصوصا قبيل التظاهرات الرياضية الكبرى، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه السلطات، في ظل قدرة هذه المنصات على إعادة التشكل بسرعة عبر تغيير الخوادم أو اللجوء إلى أدوات تقنية متقدمة. كما تأثر مستخدمون داخل المغرب بعمليات دولية لتفكيك شبكات IPTV كبرى كانت تستهدف شمال إفريقيا وأوروبا في آن واحد، ما يؤكد تداخل البعد المحلي بالبعد الدولي في هذه الظاهرة. ومن الناحية القانونية، يركز الإطار التشريعي المغربي على تجريم إعادة البث غير المرخص والاستغلال التجاري للمحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر، دون تجريم تقنية IPTV في حد ذاتها باعتبارها وسيلة محايدة يمكن استخدامها أيضًا في خدمات قانونية، غير أن نقاشًا متزايدا يطرح حول ضرورة تحديث الترسانة القانونية لتكون أكثر وضوحا وصرامة، خاصة فيما يتعلق بمسؤولية الوسطاء الرقميين والمستخدمين النهائيين.
وعلى الرغم من التحديات التقنية والقضائية، ومن وجود مقاومة اجتماعية مرتبطة بالاعتماد الواسع على هذه الخدمات منخفضة التكلفة، يُنتظر أن تسهم هذه الحرب الشاملة، على المدى المتوسط، في تقليص حجم القرصنة الرقمية، وتحسين مداخيل أصحاب الحقوق، وخلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار في منصات بث قانونية داخل المغرب. وبذلك، يمكن اعتبار ما يقوم به المغرب تحولًا استراتيجيًا من منطق التدخل الظرفي إلى بناء سياسة عمومية مستدامة لحماية الملكية الفكرية وتنظيم سوق الإعلام الرقمي في عصر البث المفتوح.
![]()















