skymidaralto.com
يشهد المغرب خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في أسعار الخضر والبقوليات، وهو ما أثار جدلا واسعا بين من يُرجع الأسباب إلى الفيضانات والتقلبات المناخية، ومن يحمّل المسؤولية لما يُعرف بتدخل الشناقة أو المضاربين داخل أسواق الجملة. لفهم الصورة بدقة، لا بد من تحليل المشهد من زاوية اقتصادية شمولية تأخذ بعين الاعتبار عوامل الإنتاج وسلسلة التوزيع وسلوك السوق.
أولا، العامل المناخي لعب دورا حقيقيا في الضغط على العرض. فقد شهدت بعض المناطق الفلاحية، خاصة في منطقة الغرب، فيضانات وتساقطات مطرية قوية أثرت على المحاصيل وأعاقت عمليات الجني والنقل. هذا الاضطراب خلق اختلالا مؤقتًا بين العرض والطلب، خصوصًا في المنتجات سريعة التلف مثل الطماطم والخضر الورقية. وعندما ينخفض العرض في سوق يعتمد على التدفق اليومي، تكون النتيجة الطبيعية ارتفاع الأسعار بشكل سريع. بمعنى أوضح: السوق لم يكن يعاني من ندرة هيكلية بقدر ما كان يواجه صدمة عرض ظرفية.
ثانيًا، لا يمكن تجاهل العامل الموسمي المرتبط بارتفاع الطلب خلال فترة رمضان، حيث يرتفع الاستهلاك الأسري للخضر والبقوليات بشكل كبير. في الاقتصاد، أي زيادة مفاجئة في الطلب مع عرض غير مرن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار. هذا سلوك سوقي تقليدي وليس بالضرورة نتيجة تلاعب مباشر.
ثالثًا، هناك إشكال بنيوي أعمق يتعلق بسلسلة التوزيع. أسواق الجملة في عدة مدن تعاني من ضعف الشفافية وتعدد الوسطاء، ما يؤدي إلى تضخم الهوامش الربحية بين سعر المنتج عند الفلاح وسعره عند المستهلك النهائي. الفلاح قد يبيع بثمن منخفض، بينما يصل المنتج للمواطن بسعر مضاعف بسبب تراكم هوامش النقل والتخزين والوساطة. هذا الخلل التنظيمي يخلق بيئة تسمح بالمضاربة، لكنه لا يعني بالضرورة وجود شبكة احتكار مركزية تتحكم في السوق كليًا.
أما بخصوص “الشناقة”، فالحقيقة أكثر تعقيدًا من الخطاب الشعبي. نعم، هناك سلوكيات مضاربية فردية يقوم بها بعض الوسطاء عبر تخزين كميات مؤقتًا أو التحكم في توقيت الطرح بالسوق لتحقيق هامش ربح أكبر، لكن لا توجد مؤشرات موثقة على وجود منظومة احتكار منظمة تسيطر على مجمل السوق الوطني. المشكلة أقرب إلى ضعف الحوكمة وتنظيم مسارات التوزيع أكثر من كونها مؤامرة اقتصادية شاملة.
كما يجب الإشارة إلى عوامل أخرى مثل ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ونقص اليد العاملة الفلاحية، وتراجع الموارد المائية خلال المواسم السابقة، وهي عناصر تؤثر في تكلفة الإنتاج نفسها. تقارير وزارة الفلاحة المغربية تشير في أكثر من مناسبة إلى أن التقلبات المناخية المتكررة أصبحت عامل ضغط دائم على القطاع الفلاحي، ما يجعل الأسعار أكثر حساسية لأي اضطراب.
الخلاصة أن ارتفاع أسعار الخضر والبقوليات في المغرب ناتج عن تفاعل عدة عوامل: صدمات مناخية ظرفية، زيادة موسمية في الطلب، اختلالات هيكلية في أسواق الجملة، وهوامش مضاربة محدودة. الفياضانات ساهمت في تقليص العرض مؤقتًا، لكن ضعف تنظيم السوق وتعدد الوسطاء يجعلان أي صدمة صغيرة تتحول بسرعة إلى موجة غلاء يشعر بها المستهلك. الحل لا يكمن فقط في اتهام الشناقة، بل في إصلاح عميق لسلسلة القيمة الفلاحية، تعزيز الشفافية، وتقليص عدد الوسطاء بين الحقل والمائدة.
![]()















