هل تستطيع أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب فاطمة الزهراء المنصوري أن تصنع التحول ؟

Admin: Said El29 سبتمبر 2026Last Update :
هل تستطيع أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب فاطمة الزهراء المنصوري أن تصنع التحول ؟

skymidaralto.com

يشكل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة المغربية، لحظة سياسية وتاريخية غير مسبوقة، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المملكة. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لن تتحدد فقط بكونه سابقة تاريخية في مسار مشاركة المرأة المغربية في الحياة السياسية، وإنما بما ستستطيع رئيسة الحكومة الجديدة أن تحققه من تغيير ملموس في حياة المواطنين، لأن المغاربة، بعد سنوات طويلة من تعاقب الحكومات والبرامج والخطابات، لم يعودوا ينتظرون مجرد وعود جديدة أو شعارات براقة، بل يريدون نتائج يرونها ويلمسون أثرها في المستشفى والمدرسة والإدارة ومكان العمل والسوق وفي مستوى معيشتهم اليومي.

إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمكن أن يمثل لحظة رمزية مهمة في تاريخ المغرب، لكنه لن يصبح حدثاً تاريخياً بالمعنى الحقيقي إلا إذا تحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة عنوانها الإنجاز والمساءلة والنتائج. فالتاريخ لا تصنعه المناصب وحدها، ولا الصور الرسمية ولا الخطب السياسية، وإنما تصنعه القرارات التي تغير حياة الناس. ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام فاطمة الزهراء المنصوري لن يكون إثبات قدرة المرأة المغربية على الوصول إلى أعلى منصب تنفيذي في البلاد، فقد أثبتت المرأة المغربية بالفعل حضورها وكفاءتها في مختلف المجالات، وإنما سيكون التحدي هو إثبات قدرة الحكومة على الانتقال من منطق تدبير الأزمات والبرامج المتفرقة إلى منطق الإصلاح العميق الذي يجعل المواطن يشعر بأن الدولة تتحرك من أجله وأن السياسات العمومية ليست مجرد أرقام في التقارير الرسمية.

 

وفي مقدمة الملفات التي يمكن أن تجعل من الولاية الحكومية المقبلة محطة فارقة يأتي قطاع الصحة، لأن المواطن لا يقيس نجاح النظام الصحي بعدد المشاريع التي تم الإعلان عنها، وإنما بقدرته على الحصول على طبيب عندما يحتاج إليه، وعلى موعد طبي في وقت معقول، وعلى علاج يحفظ كرامته، وعلى مستشفى تتوفر فيه التجهيزات والأدوية والأطر الطبية الضرورية. وقد قطع المغرب خطوات مهمة في مجال الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية الصحية، لكن التحدي المقبل هو الانتقال من مجرد الاستفادة من التغطية إلى ضمان علاج فعلي وجيد وفي الوقت المناسب. وإذا استطاعت الحكومة الجديدة أن تقلص فترات الانتظار، وتدعم المستشفيات العمومية، وتحسن ظروف الأطباء والممرضين، وتوفر حوافز للعمل في المناطق النائية، وتطور الرعاية الصحية الأولية، وتقلص الفوارق بين المدن والقرى، وتضع نظاما رقميا فعالا للمواعيد والملفات الطبية، فإن ذلك سيكون تغييرا يلمسه المواطن مباشرة. فالهدف الحقيقي يجب ألا يكون فقط أن يمتلك المواطن بطاقة للتغطية الصحية، وإنما أن يجد طبيبا ومستشفى وعلاجا عندما يحتاج إليهما.

أما التعليم، فهو الملف الذي يمكن أن يحدد مستقبل المغرب لعقود قادمة. فكل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية تصبح محدودة الأثر إذا ظل الطفل المغربي لا يحصل على تعليم جيد بغض النظر عن المكان الذي ولد فيه أو الوضع الاقتصادي لعائلته. المطلوب اليوم ليس إصلاحا جديدا يحمل اسما جديدا، وإنما بناء مدرسة عمومية قوية تجعل جودة التعليم حقا فعليا لجميع الأطفال. وهذا يقتضي الاستثمار في الأستاذ باعتباره محور العملية التعليمية، وتحسين تكوينه وظروف عمله، ومحاربة الهدر المدرسي، وتقليص الاكتظاظ، وتوفير النقل والإطعام المدرسي في المناطق القروية، وتقوية تعليم اللغات والرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، وربط التكوين المهني والجامعي باحتياجات سوق العمل. والأهم من كل ذلك هو تغيير طريقة قياس نجاح المدرسة؛ فلا ينبغي أن يكون عدد المؤسسات والمشاريع والبرامج هو المعيار الأساسي، وإنما ما يستطيع الطفل فعلا أن يقرأه ويفهمه ويكتسبه من مهارات ومعارف. فإذا تمكنت الحكومة الجديدة من أن تجعل المدرسة في قرية نائية قادرة على منح الطفل فرصا حقيقية شبيهة بما يحصل عليه طفل في إحدى المدن الكبرى، فإنها ستكون قد وضعت أساسا لتحول اجتماعي عميق.

ويأتي التشغيل في مقدمة انتظارات الشباب المغربي، لأن الحديث عن النمو الاقتصادي والاستثمار لا يكتمل بالنسبة إلى المواطن إذا لم يتحول إلى فرص عمل حقيقية. الشباب لا يريد مؤتمرات جديدة عن التشغيل بقدر ما يريد وظيفة مستقرة توفر له دخلا يسمح له ببناء حياته. ولذلك يمكن للحكومة أن تجعل خلق فرص العمل مؤشرا مركزيا في سياستها الاقتصادية، من خلال دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل إنشاء الشركات، وتقليص التعقيدات الإدارية، وتشجيع الاستثمار المنتج في مختلف الجهات، وربط التكوين المهني باحتياجات الشركات، ودعم الاقتصاد الرقمي والصناعات ذات القيمة المضافة، وتشجيع المؤسسات التي توفر وظائف مستقرة للشباب. فالرهان ليس فقط على عدد الوظائف التي يتم خلقها، وإنما على جودة هذه الوظائف وعلى قدرة الاقتصاد المغربي على منح الشباب أملا حقيقيا في المستقبل.

ولا يقل ملف القدرة الشرائية أهمية عن الصحة والتعليم والتشغيل، لأن المواطن يقيس الوضع الاقتصادي قبل كل شيء بما يبقى في جيبه في نهاية الشهر. وقد لا تعني المؤشرات الاقتصادية الإيجابية الكثير بالنسبة إلى أسرة تكافح من أجل دفع تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم والعلاج. لذلك فإن من أهم التحديات أمام الحكومة الجديدة جعل تحسين مستوى المعيشة هدفا قابلا للقياس، من خلال تتبع تطور الأجور والأسعار وتكاليف السكن والنقل والخدمات الأساسية، والعمل على حماية الفئات الأكثر هشاشة، ودعم القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، ومحاربة الممارسات التي تؤدي إلى ارتفاع غير مبرر للأسعار. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بارتفاع الناتج الداخلي الخام أو حجم الاستثمارات، وإنما بقدرة الأسرة المغربية على أن تعيش حياة أكثر استقرارا وأمانا وكرامة.

وفي مجال حقوق الإنسان، يمكن للحكومة الجديدة أن تجعل من ولايتها فرصة لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال ترسيخ سيادة القانون، وتقوية الشفافية، وتحسين الحق في الوصول إلى المعلومات، وتعزيز حماية النساء والأطفال، و إطلاق سراح معتقلي حراك الريف وتطوير ظروف المؤسسات السجنية وإعادة الإدماج، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وتحسين فعالية الإدارة والقضاء، وضمان أن يشعر المواطن بأن القانون يحميه وأن المؤسسات موجودة لخدمته. إن الدولة القوية ليست الدولة التي تملك مؤسسات كثيرة فقط، وإنما الدولة التي يثق المواطن في مؤسساتها ويعرف أن حقوقه مصونة وأن المال العام يخضع للمراقبة وأن المسؤول العمومي ليس فوق المساءلة.

ويمكن لفاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة، أن تجعل من تمكين المرأة المغربية مشروعا وطنيا يتجاوز البعد الرمزي. فنجاح التجربة لن يقاس فقط بوجود امرأة على رأس الحكومة، وإنما بما يمكن أن يتحقق لملايين النساء في القرى والمدن من فرص اقتصادية وتعليمية واجتماعية، وبقدرة السياسات الحكومية على رفع مشاركة النساء في سوق العمل، ودعم المقاولات النسائية، وتوفير خدمات الحضانة، وحماية النساء من العنف، ودعم النساء في العالم القروي، وتوسيع حضورهن في مواقع القرار. وإذا تحولت تجربة المنصوري إلى فرصة لتطبيع وجود المرأة في أعلى مواقع المسؤولية، فإن الأثر التاريخي سيكون أكبر بكثير من مجرد تسجيل اسمها كأول رئيسة حكومة.

ومن الملفات التي تحتاج كذلك إلى تحول حقيقي إصلاح الإدارة، لأن جزءا كبيرا من علاقة المواطن بالدولة يمر عبر الإدارة اليومية. المواطن يريد أن يحصل على وثيقته وخدمته ورخصته وملفه من دون أن يضطر إلى الانتقال بين الإدارات وانتظار أسابيع أو أشهر. لذلك يمكن للحكومة أن تجعل الرقمنة وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والإدارة، من خلال توسيع الخدمات الإلكترونية، وتوحيد قواعد البيانات، وتمكين المواطن من تتبع ملفه ومعرفة الجهة المسؤولة عنه والمدة القانونية لمعالجته. إن إنهاء ثقافة أرجع غدا و الملف ناقص واذهب إلى الإدارة الأخرى، يمكن أن يكون في حد ذاته إصلاحا يشعر به ملايين المغاربة يوميا.

ويبقى ملف الفساد والشفافية من الملفات التي يمكن أن تمنح الحكومة الجديدة مصداقية كبيرة إذا انتقلت فيه من الخطاب إلى آليات عملية، عبر تعزيز شفافية الصفقات العمومية، ورقمنة المشتريات الحكومية، ونشر البيانات المتعلقة بالإنفاق العمومي، وتقوية آليات مراقبة المشاريع، وحماية المبلغين عن الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق القانون. المواطن لا يريد فقط أن يسمع أن هناك حرباً على الفساد، وإنما يريد أن يعرف كيف يتم إنفاق المال العام، وما النتائج التي تحققت مقابل كل مشروع، ومن يتحمل المسؤولية عندما يفشل مشروع أو يتم تبديد الموارد.

 

كما أن العدالة المجالية ينبغي أن تكون من أولويات الحكومة، لأن المغرب الذي يحقق مشاريع كبرى ويستعد لاستحقاقات دولية مهمة يحتاج في الوقت نفسه إلى ضمان ألا يشعر المواطن في المناطق القروية والنائية بأنه يعيش في هامش التنمية. فالطريق والمدرسة والمستشفى والماء الصالح للشرب والنقل والإنترنت وفرص العمل ليست امتيازات، وإنما شروط أساسية للاندماج في التنمية الوطنية. ويمكن للحكومة أن تعتمد مؤشرات واضحة تقيس الفوارق بين الجهات وتوجه الاستثمارات العمومية بشكل أكبر نحو المناطق التي تعاني من نقص الخدمات الأساسية، بحيث يصبح مكان ولادة الإنسان أقل تأثيراً في تحديد فرصه في الحياة.

 

أما الشباب، فينبغي ألا يتم التعامل معه باعتباره مجرد فئة انتخابية أو رقما في الإحصائيات، وإنما باعتباره شريكا في صناعة المستقبل. الشباب المغربي يريد العمل والسكن والتعليم والثقافة والرياضة والفضاءات التي تسمح له بتطوير نفسه، لكنه يريد أيضا أن يشعر بأن صوته مسموع وأن مشاركته في الشأن العام لها معنى. ومن هنا يمكن للحكومة الجديدة أن تطور آليات مؤسساتية للاستماع إلى الشباب وإشراكهم في صياغة السياسات العمومية، وأن تدعم ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والإبداعية والرياضة، لأن الاستثمار في الشباب ليس تكلفة على الدولة وإنما استثمار مباشر في مستقبل البلاد. في.

أمام فاطمة الزهراء المنصوري فرصة سياسية وتاريخية كبيرة ( إن كانت تملك القدرة) ، لكن هذه الفرصة لن تكون سهلة، لأن رئيسة الحكومة ستعمل داخل منظومة مؤسساتية وسياسية تتطلب تشكيل تحالفات والحصول على دعم البرلمان وتنفيذ السياسات في إطار الاختصاصات الدستورية للحكومة وباقي المؤسسات. ولذلك فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يعتمد على شخص رئيسة الحكومة وحده، وإنما أيضا على جودة الفريق الحكومي، وانسجامه، وقدرته على اتخاذ القرارات وتنفيذها، وعلى وجود مؤسسات رقابة ومساءلة فعالة.

وفي النهاية، فإن المغاربة لا يحتاجون إلى حكومة جديدة تعدهم بمستقبل أفضل بقدر ما يحتاجون إلى حكومة تجعل هذا المستقبل محسوسا في حياتهم اليومية. القيمة التاريخية لتعيين أول امرأة على رأس الحكومة لن تتحدد فقط بلحظة دخولها مقر رئاسة الحكومة، وإنما بما سيبقى بعد انتهاء ولايتها: هل أصبح المريض يجد علاجاً أفضل؟ هل تحسنت المدرسة؟ هل حصل الشباب على فرص عمل؟ هل أصبحت الأسرة قادرة على مواجهة تكاليف الحياة؟ هل أصبحت الإدارة أسرع وأكثر شفافية؟ هل تراجعت الفوارق بين الجهات؟ هل أصبح المواطن يشعر بأن حقوقه وكرامته مصانتان؟ وهل أصبح المال العام أكثر شفافية وخضوعاً للمساءلة؟

 

.

Loading

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News
Translate »